عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

91

المناظر الإلهية ( ويليه شرح مشكلات الفتوحات المكية لابن عربي )

ولما فرغ الشيخ ، رضي اللّه عنه ، من تعريفه ، أراد أن يصرّح أنه لا يكون في الزمان ، إلا لواحد ، فقال : عيّنه في الوجود فردا ، الواجد العالم البصير . أي ذكره على التعيين ، أنه يكون فردا في الوجود ، لا منازع له فيه ؛ فعيّنه النّور المحمديّ الجزئيّ ، الذي هو روح . والشيخ رضي اللّه عنه ، عبّر عنه بالواجد - بالجيم - لكونه وجده كذلك في سرّه ، وعلمه بإعلام اللّه إياه ، ورآه ببصره - فالوجود يتعلق بالإدراك ، والإعلام بالسمع ، والرؤية بالبصر ، فلهذا قال : عيّنه الواجد العالم البصير . * * * ولما فرغ الشيخ من التنبيه على ذلك ، استأنف الكلام ، ونادى حقيقة ؛ فقال : يا واجدا مجده تعالى ، ليس له في الورى نظير . إعلم أنه ليس كل من عرف اللّه تعالى ، وجد عنده تعظيم فمجّده كما ينبغي له ؛ وإنما يحصل ذلك للكمّل من أوليائه . ولهذا نبّه على ذلك من نفسه بقوله : « يا واجدا مجّده » ، أي عظّمه اللّه تعالى . ولما كان في المحل مظنة لقول من يقول له : كأنك تقول إن القطب كالحق ، يتصرّف في العالم تصرّفه ؟ ! قال في الجواب ، دفعا لذلك السؤال : « ليس له في الورى نظير » ليزول توهّم السامع ، فلا يطعن في اعتقاد الشيخ . ويحتمل أن يكون قوله « يا واحدا » بالحاء المهملة ، ويكون حينئذ « مجده » مرفوعا على أنه فاعل تعالى ؛ فيكون تقديره : يا واحدا تعالى مجده . ويكون الخطاب حينئذ للذات الإلهية ، التي هي ذاته وذات كل ذات ؛ فافهم . ثم إنه أراد أن يبيّن أن ذلك التصريف المنسوب إلى القطب ، راجع إلى اللّه تعالى . فقال : ليس لأنواره ظهور ، إلا بنا ؛ إذ لنا الظهور . أراد بالأنوار : الصفات والأسماء الإلهية التي لا ظهور لها ، إلا بوجود الخلق . لأنه يستحيل ظهور الرازق ولا مرزوق ، والخالق لا مخلوق ، والقادر ولا مقدور عليه ، إلى غير هذه المعاني ، مما لمقتضى الأسماء والصفات ؛ ولهذا قال : ونحن مجلى لكل شيء يظهر في عينه الأمور . الضمير في عينه ، يرجع إلى « مجلى » . والمراد : نحن مظهر لكل شيء ، تظهر الأمور في عين ذلك المظهر ؛ أي تبدو فينا كلّ الأمور ، لأنّا مجلى كل شيء ومظهره ، لأن الحقّ الذي هو أصل جميع الأشياء ، إنما ظهر بنا من حيث ذواتنا وأعياننا ؛ فبنا تصوّر ، وفينا ظهر . فنحن : محل انجلاء كل شيء وظهوره . إعلم ، أيّدنا اللّه وإيّاك ، أن الشيخ - رضي اللّه عنه - لفّ في هذه الأبيات جميع ما أراد نشره في هذا الباب . ولما أراد التنبيه على عظم هذا الباب قال : إعلم أيّدنا اللّه